ابن حزم
490
الاحكام
- وأهوى النعمان بأصبعه إلى أذنيه : إن الحلال بين وإن الحرام بين ، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ، ألا وإن حمى الله محارمه وقال تعالى : * ( أفلا يتدبرون القرآن ) * وقال تعالى : * ( فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين . قال أبو محمد : فوجدناه تعالى قد حض على تدبر القرآن ، وأوجب التفقه فيه ، والضرب في البلاد لذلك ووجدناه تعالى قد نهى عن اتباع المتشابه منه ، ووجدناه صلى الله عليه وسلم قد أخبر بأن المتشابهات - التي بين الحرام البين والحلال البين - لا يعلمها كثير من الناس ، فكان ذلك فضلا لمن علمها ، فأيقنا أن الذي نهى عز وجل عن تتبعه ، هو غير الذي أمر بتتبعه وتدبره والتفقه فيه ، وأيقنا بلا شك أن المشتبه الذي غبط صلى الله عليه وسلم عالمه ، هو غير المتشابه الذي حذر من تتبعه ، هذا الذي لا يقوم في المعقول سواه ، إذ لا يجوز أن يكلفنا تعالى طلب شئ ، وينهانا عن طلبه في وقت واحد ، فلما علمنا ذلك وجب علينا طلب المتشابه الذي أمرنا بطلبه ، لنتفقه فيه ، وأن نعرف أي الأشياء هو المتشابه الذي نهينا عن تتبعه فنمسك عن طلبه . فنظرنا في القرآن وتدبرناه ، كما أمرنا تعالى فوجدناه جاء بأشياء منها التوحيد وإلزامه ، فكان ذلك مما أمرنا باعتقاده والفكرة فيه ، فعلمنا أنه ليس من المتشابه الذي نهينا عن تتبعه ، ومنها صحة النبوة وإلزامنا الايمان بها ، فعلمنا أن ذلك ليسمن المتشابه الذي نهينا عن تتبعه ، ومنها الشرائع المفترضة والمحرمة والمندوب إليها والمكروهة والمباحة ، وذلك كله مفترض علينا تتبعه وطلبه ، فأيقنا أن ذلك ليس من المتشابه الذي نهينا عن تتبعه . ومنها تنبيه على قدرة الله تعالى وذلك مما أمرنا بالتفكر فيه بقوله تعالى : * ( أفلا ينظرون إلى الا بل كيف خلقت ) * وبقوله تعالى : * ( ويتفكرون فخلق السماوات والأرض ) * مثنيا عليهم ، فأيقنا أنه ليس من المتشابه . ومنها أخبار سالفة جاءت على معنى الوعظ لنا ، وهي مما أمرنا بالاعتبار به بقوله تعالى : * ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ) * فأيقنا أن ذلك ليس من المتشابه